مُناجاة..أيَّتُها السَّاهِرةُ ونحنُ نيامٌ! بقلم حنا ميخائيل سلامة



حينَ يَجثُم الليل ويهدأ ضجيج الكون، نَأوي إلى مَخادِعِنا وَسَرْعانَ ما تنسَدِل أجفاننا على حَدَقات عيوننا الناعِسات المُتعبات المُنهكات فنستسلِم لسلطان الكَرَى..تَكُوني ساهرةًونحنُ نِيام!


وحينَ ينسلِخ النهار،ويتقدَّم الليل،وتشتدُ ظُلمته،وتوقِظنا نيران تُذيب الأضْلعَ في الصدور لِهُمومٍ وغُمومٍ وشجون،نرفعأبصارنا نحوَكِ فنراكِ ساهرة تتلألئينَ بِسَنىً بهيج، فيُبدِّد نور وجهكِ الوَهَّاج المُبْهِر عَتمة الليل ويتنزَّل شُعاعه على أفئدتنا فتستكين وعلى صدورنا فتنشرح!
أيَّتُها الساهرةُ ليس يغمض لكِ جَفن! وكيف لِجَفْنِكِ أن يَغمض وقد أَوْكلَ ابنكِ القدوس اليكِ وهو مرفوعٌ على الصليب أن تكوني لنا أُمَّاً- وعينُ الأمِّ لا تنفكُ يَقْظَى على أبنائها – وأن نكونَ في الوقتِ ذاتهِ على عهدِ الوفاء لكِ أمَّاً
مُباركةً مُمَجدةً “ظلَّلتْها قوَّةُ العَليِّ، وحلَّ عليها الروح القُدس”،فبعثَ فينا دَفَق هذا الحُبّ السَّرمَدِيّ خُفُوقُه، والمُشَعْشِعة أنواره مِن خلالك الأملَ وأحيا الرجاء!
أيَّتُها الساهرةُ على أوجاع المُتوجعين، وآلامِ الراقدين على أسِرَّة الشفاء، وعلى متاعب المسافرين في الجَّوِّ والبحر والبر. والسَّاهرة على آهاتٍ تَتَردَّدُ في جَنَباتِ الفضاء العَريض مِنكُلّ مَغلوبٍ على أمْرِه، وكلّ مَطعونٍ بخِنجرِ غدرٍ وكراهيةٍ وحقد بأيدي مَن استحجرت قلوبهم فساءت أفعالهم!
أيَّتُها الساهرةُ تَنظُرينَ بعينيكِ الرائِيَتَيْنِ دواخِل قلوبنا ومكنونَ صدورنا وما يَتَخَطَّر في عقولنا وَتَرَيْنَ ما لا نرى!
أيَّتُها الساهرةُ على مَن أوْدَعوكِ واثقينَ بعد ابتهالات وصلوات وقَطَرات دموعٍ سَخينَة مُنهمرة مِن مآقي عيونهم ما حاطَ بهم مِن ظلم الأقدار وَجَوْر الزمانوأهلِ الزمان!
أيَّتُها اليَقِظَةُ السَّاهِرةُ الدائمة البتوليةالقديسة مريم، يَا عظيمةَ الإنْعَام، وَيَا الأكثرَ حُظوةً مُذ نِلتِ “امتلاءَ نِعمةٍ”مِن عند الرب بقَبول مشيئته فيكِ، واختياره لكِ أنْ تَقبلي وَتَتَقبلي “شُعاعَمَجد الآب السماوي وَصُورة جَوهرِهِ” فقبلتِ، وفاضَ منكِ مِن وقت ذلكَ شُعاعٌ فاقَ المنائرَ كلها وَلمَّا يَزَلْ وَسَيبقى.. هادياً ومُرشِداً ودليلاً لمن يبتغي الوصول إلى مرافئ الأمل والرجاء والنَّجاة، ويرتقيَ بعدئذٍبإيمانٍ وتسبيحٍ وتمجيدٍ معارج ملكوت السماوات!
يا نَفْسُ لا تجزعي ولا تقنُطي مِن بَعد، فقلبُ السَّاهرة مريم العذراء الذي شُغِفَ بحُبِّ ابنِها يسوع، وتعلَّقَ بقلبه القدوسلا يَرُدُّ سائلاً مُؤمِناً تائباً مُحِقَّاً،ولا يُخيِّبُ مُرتَجياً مُلتَمِساً مُتشفِّعاً!
أيَّتُها اليَقِظةُ السَّاهِرةُ يا أمَّ يسوع وأُمّنا السَّماوية رُدِّي الينا السَّكينة والهدوء فيعَالَمٍيُهيمنُ عليه أو يكاد اليأس والبؤس، عَالَم ضاعت فيه بُوْصَلة الطريق وتعكَّر معه المَصير،وأعِيدي لإنسانِزمانِنا إنسانيته التي انتزعها مِن داخلهِ بإرادته. وها هي ذي القلوب قد أظلمت إذْ خَلَت مِن نور الله.. نور المحبة!
أيَّتُها اليَقِظةُ السَّاهِرةُ، يا رَيَّا العِطاش إلى البرِّ والحق، تشفَّعي فينا إلى مَسِيح الغَلَبَة والظَّفَر والنور والحياة بما أُعْطيتِ مِن إنعامٍ سماويٍ يا أملَ الآمِلينَ وَحِصْنَ المُحْتَمِين ومَلاذَ مَن لا مَلاذَ لهُم!
وسلامٌ عليكِ يا أمَّ المراحمالدائمة، كُلَّما انجلى الليلُ وأخذَ الفجرُ يَنسُجُ حُلَّةً لنهارٍ جديدٍ،
وسلامٌ لكِ،كلما أقبلَ الليل بسُكونهِ المُظلِم، وهدأتالحياة، ولم يبقَ سِواكِ وإلاَّكِ.. أيتها السَّاهرةُ ونحن نيام!
*أيقونة العذراء إهداء الى الكاتب من صديق أثناء زيارته الى بنوم بنه / كمبوديا قبل سنوات.