الفكر العلمانيّ العربيّ بقلم الشماس يوسف نقولا عرموش

عرفَ تاريخُ الإنسان مراحل متتالية، لعل أحدثها، في القرون الوسطى، كمجال تاريخيّ، فكريّ ودينيّ، يتميّز بالاستبداد السياسيّ وسيطرة الفكر الدّينيّ على جميع مناحي حياة الإنسان. في المقابل، ظهرت بوادر مرحلة تاريخيّة جديدة، قوامها المفهوم الجديد للإنسان، العقل، الدولة، والدين.


في حديثنا عن الفكر لا بدّ وأن نتطرّق إلى الفكر العربيّ، فإنّنا لا يُمكن أن نعزله عن هذه التطوّرات الشاملة التي عرفها الفكر الإنسانيّ، فبعيدون كل البعد عن العيش في جزيرة معزولة عن العالم، بل، على العكس، فقد ساهمنا، إلى جانب الحضارات الأخرى، في بناء هذه المفاهيم الجديدة. برز هذا، خصوصًا، حينما عمل الفكر الفلسفيّ العربيّ على قراءة التراث الفلسفيّ اليونانيّ قراءة جديدة حقّق من خلالها تجدّدًا مكّنه من مواصلة المسيرة التي كانت ستنقطع قبل ذلك بقرون.
ما نريد أن نؤكده، هو وحدة الفكر الإنسانيّ التي تفرض نفسها على كل الأمم؛ والأمَّة التي تريد الخروج من هذه الوحدة، تجد نفسها خارج التاريخ. كذلك كان الأمر في الماضي ولن يختلف حاضرًا ومستقبلاً، من هنا يمكن أن نتساءل:
هل يُمكن للفكر العربيّ أن يُشكِّل استثناءً حينما يدعو إلى مفهوم الدولة العلمانية، خلال مرحلة تاريخية تسود فيها المواطنة الموحّدة مع اختلاف الانتماءات الدينيّة والعرقيّة للمواطنين في العالم؟ لماذا كان تقبُّل مفهوم العلمانيّة في الفكر العربيّ، في الآونة الأخيرة، تقبُّلاً سلبيًّا؟ لماذا أُلصقت به جميع التهم من معاداة للدين، إلى الدعوة للانحلال الأخلاقيّ، إلى الدعوة للإلحاد؟ وهل يرتبط حقًا مفهوم العلمانيّة بهذه الدعوات، أم إن الأمر يرتبط فقط بتصفية حسابات مع مجموع مفاهيم الفكر الحديث في الثقافة العربيّة بهدف حراسة التقليد؟
لا يمكن أن نتحدث عن مفهوم العلمانيّة خارج التطورات الفكريّة والسياسيّة والدينيّة التي عرفها الفكر الإنسانيّ الحديث منذ القرن الخامس عشر. بداية بالإصلاح في أوروبا وتأثيره على المجتمعات المحيطة، ومنها المجتمع العربيّ، وذلك عبر التخلص من سلطة النصّ الدينيّ في الحياة السياسيّة (تقليص السلطة البابوية عن الدولة)، الاجتماعيّة والاقتصاديّة، والعودة به إلى وظيفته الحقيقيّة وهي وظيفة روحيّة؛ في مقابل الوظيفة الماديّة الّتي تخضع للتطوُّر التاريخيّ للإنسان، والتي يجب أن ترتبط بتفكير الإنسان في مختلف القضايا المتعلّقة بحياته الماديّة، سياسيًّا، اقتصاديًّا واجتماعيًّا.
هذا التحوُّل الذي تحقّق في أوروبا هو الذي سيفسح المجال أمام التفكير الإنسانيّ كي يُبدع في مختلف المجالات بعيدًا عن سلطة النصّ الدينيّ التي كانت تكبِّله. ولعل أبرز النتائج التي تحقّقت، ظهرت، على المستوى السياسيّ، بحيث تأسّست الدولة العلمانية القائمة على المؤسَّسات المنتخبة، مفهوم المواطنة، والانتخابات، وتعزّزت بذلك الممارسة الديمقراطيّة. وفي المقابل، ارتبط الدين بوظيفته الروحيّة، وهذا ما يسمّى بالعلمانية أي الفصل بين السُلطتين الماديّة والروحيّة، بحيث يصبح لكل سلطة مجالها الخاصّ بها دون أن تتدخّل في مجال السلطة الأخرى؛ هذا، من جهة أخرى، ما سيفسح المجال أمام الدولة العلمانية القائمة على الفصل بين الماديّ والروحيّ مقابل الدولة الدينيّة التي كانت تقوم على سلطة النصّ الدينيّ.
بعد هذه النظرة التاريخية، ارتبط هذان المفهومان بتجربة الثورة الفرنسيّة التي جاءت كرد فعل قويّ ضدّ كل ما يرتبط بمجال الدين؛ وقد كان رد الفعل هذا ناتجًا عمّا خلفتّه الكنيسة من كوارث سياسيّة، اجتماعيّة واقتصاديّة من بينها بيع صكوك الغفران وعرقلة التفكير والإبداع في جميع المجالات. لكن مفهوم العلمانيّة لا يُحصر بالتجربة الفرنسيّة، بل إن هذه التجربة لا تُعتبر إلاّ محاولة، بين محاولات أخرى، كالإصلاح في أوروبا عمومًا كما مرّ آنفًا في تجسيد المفهوم. ولذلك، لا يجب أن نحكم على النظريّة من خلال نوع معيّن من التطبيق.
يترنَّح العالَمُ العربيّ اليوم تحت وطأة التّغييرات من ثورات وانتفاضات. هناك دعوات إلى الثيوقراطيّة وقد نجحت بعض هذه التيارات بالوصول إلى السلطة. وبالطرف الآخر، هناك دعوات لقيام دولة علمانية، لكنّها تبدو مشتتة وصوتها ضعيف.
فهل يمكن للفكر العربيّ خلال هذه المرحلة التاريخية أن ينجح في الدعوة إلى مفهوم الدولة العلمانيّة المدنيّة، التي تقوم على المواطنة الموحّدة مع اختلاف الانتماءات الدينيّة والعرقيّة؟