بعد تدمير مستشفى الشفاء.. كنيسة “فيلبس” تفتح أبوابها لجرحى غزة

في خشوع، تقرأ السيدة سوزان عاشور آيات من القرآن الكريم، على بعد أمتار من صليب خشبي كبير مُثبت على الحائط ومحاط بـ4 صلبان صغيرة، وقرب سرير، هو في الحقيقة كرسيّان متقابلان حُفرت على مسنديهما 6 صلبان صغيرة، كانت السيدة ترافق زوجها الجريح محمد عاشور، داخل كنيسة القديس فيلبس في مدينة غزة.

وقد اجتاح جيش الاحتلال الإسرائيلي مجمع الشفاء الطبي في 18 مارس/آذار الماضي، وارتكب على مدار أسبوعين جرائم إعدام وقتل طالت نحو 400 فلسطيني، ودمر وأحرق أقسام المستشفى، حسب ما قال المكتب الإعلامي الحكومي بغزة، وهو ما أدى لخروجه عن الخدمة، الأمر الذي دفع إدارة المشفى الأهلي العربي – المعمداني إلى إعادة افتتاح الكنيسة لاستقبال المرضى، بعد أن كانت قد أغلقتها لفترة من الزمن بهدف استقبال الأعداد الكبيرة من الجرحى والمرضى.

مستشفى في كنيسة
افتُتحت كنيسة القديس فيلبس في مارس/آذار عام 1997، وتقع داخل حرم المستشفى المعمداني التابع للكنيسة الأسقفية الأنجليكانية في القدس، ويعد “المعمداني” من أقدم مستشفيات غزة، حيث تم تأسيسه نهاية القرن الـ19، على يد البعثة التبشيرية التي كانت تابعة لإنجلترا، وتم تجديد بنائه عام 1919 بعد تدميره خلال الحرب العالمية الأولى، والكنيسة واحدة من 3 كنائس في غزة، حيث توجد كنيسة القديس بريفيريوس (للشرقيين الأرثوذكس) وكنيسة دير اللاتين.

وارتكبت إسرائيل داخل المستشفى واحدة من أبشع المجازر في القطاع، إذ استهدفته طائراتها في 17 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وهو ما أدى لاستشهاد أكثر من 400 فلسطيني.

ويقول الممرض محمد حرب إن إدارة المستشفى المعمداني اضطرت إلى فتح الكنيسة لعلاج المرضى بسبب خروج مجمع الشفاء عن الخدمة، رغم عدم ملاءمتها لظروف المرضى، كما حوّلت الكراسي التي كان يجلس عليها المسيحيون خلال الصلاة إلى أسرّة للمرضى.

وأرجع حرب في حديثه للجزيرة نت عدم توفر الأسرّة الطبية إلى إحراق جيش الاحتلال مخازن الأدوية والمستلزمات الطبية في مجمع الشفاء الطبي، والتي كانت تزود باقي المشافي، ويضيف: “إخواننا المسيحيون فتحوا لنا الكنيسة لعدم وجود أماكن، المساجد والمشافي دمرت”.

ويشير إلى أن الضغط الكبير الواقع على إدارة المستشفى المعمداني يدفع الطواقم الطبية إلى اختصار فترات العلاج وتلقي الأدوية، وذكر أن “عدد الجرحى والمرضى الكبير إضافة لخروج “الشفاء” عن الخدمة يزيد العبء الواقع على “المعمداني”، موضحا أنه “قبل تدمير الشفاء كنا بالكاد نسيطر ونلبي حاجة الجرحى لأننا طاقم صغير، وحاليا زاد الضغط علينا بعد نزوح مرضى الشفاء إلى هنا”.

بديل صغير
خلال محاولته الحصول على كيس من الطحين، أُصيب محمد سكر بشظايا قذيفة إسرائيلية، وتم نقله إلى مجمع الشفاء، وأُجريت له عملية ناجحة لإيقاف نزيف في الرئتين، ثم تقررت له عملية أخرى لإخراج شظايا من ساقه في ذات اليوم الذي اجتاح فيه جيش الاحتلال المجمع، وهو ما تسبب بإلغائها، ويندب سكر حظه العاثر، حيث يقول إن الاقتحام الإسرائيلي دمر حياته، فبدلا من إجراء العملية، تسبب منعه من العلاج وغيار الجروح إلى تعفن ساقه وبترها.

وعلى سرير داخل الكنيسة، يروي سكر شهادته على جرائم جيش الاحتلال داخل المجمع الطبي حيث يقول: “في كل يوم كان يموت 5 جرحى تقريبا، وكنّا ننتظر الموت، فلا غيار على الجرح، وهو ما تسبب في تعفن ساقي، ولا أكل ولا شرب، عطّشونا 7 أيام”، ويضيف: “رجلي طلع منها الدود، ورائحة كريهة، وألم رهيب لعدم وجود غيارات، وكان لهب النار من القصف يدخل غرفنا، وتسبب بسقوط قصارة الغرف (المحارة)، ووقوعنا من على الأسرّة”.

وبعد انسحاب جيش الاحتلال من المجمع الطبي، تم نقل المرضى ومنهم سكر إلى مستشفى المعمداني، ومن ثم لكنيسة القديس فيلبس لإكمال العلاج، لكن الضرر الذي تسبب به الاحتلال لساق سكر كان فادحا حيث اضطر الأطباء إلى بترها.

أما الشاب كمال أبو عجوة فأُصيب قبل 5 أيام برصاص الاحتلال في حي الشعف شرقي غزة، وهو ما تسبب ببتر رجله اليمنى، وإصابته بـ4 رصاصات في ظهره، ونُقل إلى كنيسة القديس فيلبس لتلقي العلاج بعد خروج مجمع الشفاء عن الخدمة.

ورغم افتقاد الكنيسة للخدمات الصحية مثل الحمامات والغرف الخاصة، إلا أن أبو عجوة يشعر بالرضا من الخدمات التي يحصل عليها داخلها، ويقول: “الحمد لله ما قصّروا، شيء منيح وكويس (جيد) على الآخر”، وشكر القائمين على الكنيسة لسماحهم بفتحها للجرحى المسلمين وقال: “المسيحيون واقفون معنا، وفتحوا لنا كنائسهم نقعد فيها، الله يجزيهم الخير”.

شركاء المعاناة
ويتلقى زياد شمالي العلاج في الكنيسة، بعد تجربة مُفزعة مرّ بها في مجمع الشفاء الطبي، حيث أُصيب في حي الشيخ رضوان شمالي غزة في 16 مارس/آذار الماضي، وتم نقله لمجمع الشفاء، حيث احتاج إلى عملية جراحية لتجبير عظام قدمه ويده المهشمتين، لكنها تأجلت لعدم وجود طاقم طبي لإجرائها.

وبعد يومين من وصوله للمشفى، تم اقتحامها من قبل جيش الاحتلال وبقي طوال أسبوعين محتجزا داخله، ويقول في شهادته على ما جرى: “تغيّر علينا كل شيء، صرنا محاصرين ونسمع الضرب والقصف ولا نعرف أي شيء وأين هو، كنا محتجزين بدون علاج وطعام وشراب، منّا من استشهد ومن أُصيب ومن اعتقل”، وبعد انسحاب الجيش، تم نقل شمالي إلى المستشفى المعمداني، ومن ثمّ إلى الكنيسة لتلقي العلاج.

ويروي محمد الحويطي تفاصيل صادمة حول ما تعرض له داخل مجمع الشفاء الطبي، بسبب منعه من العلاج على يد جيش الاحتلال، حيث كان قد أُصيب بتاريخ 15 مارس/آذار الماضي بشظايا قذائف الاحتلال، وتم نقله إلى مجمع الشفاء، وبعد 3 أيام من وصوله تعرض المشفى للحصار.

ويقول: “ما حدث معنا لم يحدث مع أي بشر، المعاملة سيئة بدرجة لا توصف، حرمونا من العلاج ومن الأدوية وغيارات الجروح، حتى خرج الدود من جراحنا وأجبرونا على النوم على البلاط، رغم أننا جرحى”، وبعد انسحاب الجيش نُقل الحويطي إلى المستشفى المعمداني، حيث أجريت له عملية جراحية تكللت بالنجاح.

ويشعر الحويطي بالامتنان تجاه “الطائفة المسيحية” التي فتحت الكنيسة له ولزملائه للعلاج، ويضيف: “يِخلف عليهم (شكرا لهم)، لو ما فتحوا الكنيسة كان ممكن أن نكون الآن في الشارع، لأن أغلب المشافي خرجت عن الخدمة، الله يجزيهم الخير”.