مقاربة روحية إنسانية بين السيد المسيح وبيلاطس والقديس فرنسيس والملك الكامل الأيوبي

يُعتبر اللقاء الأعظم في التاريخ هو لقاء السيد المسيح ببيلاطس كما جاء في إنجيل (متى: 27: 11-26). “”فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي قِائِلًا: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ». وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدًّا. وَكَانَ الْوَالِي مُعْتَادًا فِي الْعِيدِ أَنْ يُطْلِقَ لِلْجَمْعِ أَسِيرًا وَاحِدًا، مَنْ أَرَادُوهُ. وَكَانَ لَهُمْ حِينَئِذٍ أَسِيرٌ مَشْهُورٌ يُسَمَّى بَارَابَاسَ. فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَدًا. وَإِذْ كَانَ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيِّ الْوِلاَيَةِ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِ امْرَأَتُهُ قَائِلَةً: «إِيَّاكَ وَذلِكَ الْبَارَّ، لأَنِّي تَأَلَّمْتُ الْيَوْمَ كَثِيرًا فِي حُلْمٍ مِنْ أَجْلِهِ». وَلكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ. فَأجَابَ الْوَالِي وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ مِنْ الاثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟» فَقَالُوا: «بَارَابَاسَ!». قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: «لِيُصْلَبْ!» فَقَالَ الْوَالِي: «وَأَيَّ شَرّ عَمِلَ؟» فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخًا قَائِلِينَ: «لِيُصْلَبْ!» فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئًا، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ، أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلًا: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هذَا الْبَارِّ! أَبْصِرُوا أَنْتُمْ!». فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْب وَقَالُوا: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ، وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ.”.


لقاء لملكين الأول الإله والثاني زماني حاكم إمبراطوري. كان السبب المباشر للقاء هو تحويل الرب يسوع للمحاكمة أمام بيلاطس من قبل الكهنة للحكم عليه بالموت.
واللقاء الآخر كان بين القديس فرنسيس والملك الكامل الأيوبي. كان السبب المباشر للقاء هو التفكير المتبادل المسبق من كل جهة بتبشير الطرف الآخر وتغييره جذريًا.
في اللقاء الأول نجد بيلاطس يُذعن للكهنة ويُسلِم السيد المسيح ليُصلب وهو في قرارة ذاته يعلم ببراءته ولكن؛ الخوف راوده وانتابته الرعدة وكأننا نرى به مشهد متكرر لحادثة مقتل الأطفال في بيت لحم اليهودية على يد الملك هيرودس وفي كلتا الحادثتَين ممثلي السلطات الزمنية يُسلمون البريء للقتل خوفًا على مصالحهم في الحكم. ” فَأَرْسَلَ وَقَتَلَ جَمِيعَ الصِّبْيَانِ الَّذِينَ فِي بَيْتِ لَحْمٍ وَفِي كُلِّ تُخُومِهَا مِنِ ابْنِ سَنَتَيْنِ فَمَا دُونُ، بِحَسَب الزَّمَانِ الَّذِي تَحَقَّقَهُ مِنَ الْمَجُوسِ” (مت 2: 16).
أمّا في اللقاء الثاني نجد الملك الكامل الأيوبيّ لا يُذعن للشيوخ المسلمين بخصوص وجود القديس فرنسيس وطلبهم بقطع رأسه، لا بل وأكثر من ذلك استضافه وأكرم حضوره. وهنا نجد نقلة نوعية على مستويين:
1- المستوى الإنساني: تطوّر وتناهى الحكم الزمني عن الحكم الديني وانفصل عنه وهذا تفوّق فكري لا سابق له في الحضارات المستحدثة في تلك الأزمنة وابتعاد الحكم الزمني عن وطئة الحكم الديني وتحكمُّه في العمل الزماني.
2- المستوى الروحي: عدم التغيّر على المستوى الديني لأي من الطرفَين لا يعني فشل اللقاء. لكن؛ مجرّد اللقاء تحوّلَت إرادتا القديس فرنسيس الأسيزي والملك الكامل الأيوبي إلى حياة معاشة نتعظ بها في حياتنا الإنسانية والروحية …….. ملؤها التسامح الديني والمحبة المتبادلة وهذا دومًا بفعل الروح القدس المالئ الكل.
وهذا ما لا نجده في حادثة السيد المسيح وبيلاطس لأنه في تلك الآونة قد حان ملء الزمن وحان ليسوع المسيح أن يتألم ويُصلَب ويقوم بحسب القصد الإلهي فتغيّرت الأزمنة وأمسى النهار ليلاً والليل نهار فالخليقة تسير قُدمًا نحو خالقها من جديد ……
صديقي وصديقتي ……. تأملنا اليوم بهدف بنياننا ….. الدين والاختلاف في الحياة ….. لا تمنعه الحياة العملية المعاشة …… فالحياة معاملة وعيشها يتطلب محبة فائقة.